فخر الدين الرازي
547
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
اعلم أنه قوله تعالى : وَإِذا رَأَيْتَهُمْ يعني عبد اللَّه بن أبي ، ومغيث بن قيس ، وجد بن قيس ، كانت لهم أجسام ومنظر ، تعجبك أجسامهم لحسنها وجمالها ، وكان عبد اللَّه بن أبي جسيما صبيحا فصيحا ، وإذا قال : سمع النبي صلى اللَّه عليه وسلم قوله ، وهو قوله تعالى : وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ أي ويقولوا : إنك لرسول اللَّه تسمع لقولهم ، وقرئ يسمع على البناء للمفعول ، ثم شبههم بالخشب المسندة ، وفي الخشب التخفيف كبدنة وبدن وأسد وأسد ، والتثقيل كذلك كثمرة ، وثمر ، وخشبة / وخشب ، ومدرة ومدر . وهي قراءة ابن عباس ، والتثقيل لغة أهل الحجاز ، والخشب لا تعقل ولا تفهم ، فكذلك أهل النفاق كأنهم في ترك التفهم ، والاستبصار بمنزلة الخشب . وأما المسندة يقال : سند إلى شيء ، أي مال إليه ، وأسنده إلى الشيء ، أي أماله فهو مسند ، والتشديد للمبالغة ، وإنما وصف الخشب بها ، لأنها تشبه الأشجار القائمة التي تنمو وتثمر بوجه ما ، ثم نسبهم إلى الجبن وعابهم به ، فقال : يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ وقال مقاتل : إذا نادى مناد في العسكر ، وانفلتت دابة ، أو نشدت ضالة مثلا ظنوا أنهم يرادون بذلك لما في قلوبهم من الرعب ، وذلك لأنهم على وجل من أن يهتك اللَّه أستارهم ، ويكشف أسرارهم ، يتوقعون الإيقاع بهم ساعة فساعة ، ثم أعلم [ اللَّه ] رسوله بعداوتهم فقال : هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ أن تأمنهم على السر ولا تلتفت إلى ظاهرهم فإنهم الكاملون في العداوة بالنسبة إلى غيرهم وقوله تعالى : قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ مفسر وهو دعاء عليهم وطلب من ذاته أن يلعنهم ويخزيهم وتعليم للمؤمنين أن يدعوا بذلك ، و أَنَّى يُؤْفَكُونَ أي يعدلون عن الحق تعجبا من جهلهم وضلالتهم وظنهم الفاسد أنهم على الحق . وقوله تعالى : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ قال الكلبي : لما نزل القرآن على الرسول صلى اللَّه عليه وسلم بصفة المنافقين مشى إليه عشائرهم من المؤمنين وقالوا : لهم ويلكم افتضحتم بالنفاق وأهلكتم أنفسكم فأتوا رسول اللَّه وتوبوا إليه من النفاق واسألوه أن يستغفر لكم ، فأبوا ذلك وزهدوا في الاستغفار فنزلت ، وقال ابن عباس لما رجع عبد اللَّه بن أبي من أحد بكثير من الناس مقته المسلمون وعنفوه وأسمعوه المكروه فقال له بنو أبيه : لو أتيت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم حتى يستغفر لك ويرضى عنك ، فقال : لا أذهب إليه ، ولا أريد أن يستغفر لي ، وجعل يلوي رأسه فنزلت . وعند الأكثرين ، إنما دعى إلى الاستغفار لأنه قال : لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ [ المنافقون : 8 ] وقال : لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ [ المنافقون : 7 ] فقيل له : تعال يستغفر لك رسول اللَّه فقال : ماذا قلت : فذلك قوله تعالى : لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وقرئ : لووا بالتخفيف والتشديد للكثرة والكناية قد تجعل جمعا والمقصود واحد وهو كثير في أشعار العرب قال جرير : لا بارك اللَّه فيمن كان يحسبكم * إلا على العهد حتى كان ما كانا وإنما خاطب بهذا امرأة وقوله تعالى : وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ أي عن استغفار رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ، ذكر تعالى أن استغفاره لا ينفعهم فقال : سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ قال قتادة : نزلت هذه الآية بعد قوله : اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ وذلك لأنها لما نزلت قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « خيرني ربي فلأزيدنهم على